3

:: المفاجأة والإدهاش في القصص القصيرة لميشلين حبيب ::

   
 

التاريخ : 02/03/2014

الكاتب : عدنان حسين أحمد   عدد القراءات : 1519

 


 

صدرت عن"دار صفصافة "بالقاهرة المجموعة القصصية الجديدة التي تحمل عنوان" لأننا على قيد الحياة" للقاصة والمترجمة اللبنانية ميشلين حبيب. تضمّ المجموعة "52" قصة قصيرة جداً أدارت القاصة لعبتها الفنية بنجاح كبير في غالبية هذه القصص المدروسة ثيماتها بعناية فائقة جداً. فجملة ميشلين القصصية  مكثفة جداً ولا يعرف الترهّل طريقه إليها. ويبدو أن تقنية القاصّة المشذّبة جداً هي التي جعلتها أميَل إلى التقشّف اللغوي منها إلى الإسهاب الفضفاض، كما أنها لا تعتدّ كثيراً بالتزويق اللفظي والمحسِّنات البديعية التي قد تُصبح في لحظة ما أشبه بالماكياج الثقيل الذي يبعث على القرف في أنفس الناظرين.

 

لا شك في أن الحُبّ يحضر في هذه المجموعة القصصية لكنه لا يبزُّ الموت ولا يتسيّد عليه. وعلى الرغم من أن عنوان المجموعة يشي بأننا "على قيد الحياة" إلاّ أن هيمنة الموت هي الأقوى والأشدّ حضوراً في معظم هذه القصص القصيرة التي أنجزتها ميشلين وتألقت فيها بوصفها قاصّة ذكية متمرّسة تعرف عن كثب أسرار هذا الفن، وتُدرك أهدافه الجمالية. وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أن مجسّات ميشلين وقدرتها الاستشعارية هي التي دلّتها على هذه الثيمة الخطيرة، فالموت، كما هو معروف، أخطر فكرة في الوجود أدخلتْنا جميعاً في غابة السؤال الفلسفي ولم نخرج منها إلاّ بالحيرة واليأس والذهول.

لا يمكن الوقوف عند جميع القصص القصيرة التي تمحورت حول فكرة الموت من جهة أو الحياة والحُب من جهة أخرى، لكننا سننتقي أبرز النماذج الدالّة التي تبرهن على صحة ما نذهب إليه عبر قراءتنا النقدية المتواضعة التي تحاول أن تكشف شبكة العلاقات الداخلية للنصوص القصصية التي تعتمد على اللحظة التنويرية التي تُبهر المتلقّي وتضعه في دائرة الدهشة المتواصلة. ففي قصة "فينوس والصَدَفة" وقفت الإلهة فينوس في منتصف المسافة بين الموت والحياة، فهي لم تمت كلياً لأنها ظلّت "تبكي" و"تُفرِز لؤلؤاً" والبكاء يدلّل على أنها حيّة، كما أن عملية إفراز اللؤلؤ هي دليل دامغ على أنها ما تزال على قيد الحياة، لكنّ هروبها من مسؤوليات الحُب والجمال والخصوبة واختباءها داخل الصَدَفة هو شكل من أشكال الموت وعدم الرغبة في مواجهة الحياة أو العيش في جنباتها. وعلى الرغم من السياق السردي الحزين إلاّ أن عنصري المفاجأة والإدهاش هما اللذان نقلا الحدث السوريالي "اختباء فينوس في الصَدَفة" من فضائه الكابي الحزين إلى اللحظة التنويرية التي التمعت حينما سمعنا فينوس تبكي وتفرز لؤلؤاً وهذا يعني أنها لم تمت كلياً، بل تحولت إلى كائن مُنتج لأشياء جميلة وثمينة في آنٍ معا. تحيل هذه القصة إلى أسطورة فينوس الرومانية التي ولدت في البحر وجاءت إلى شواطىء قبرص في محارة، وهذا التلاقح يمنح النصّ القصصي أبعاداً تخيّلية جديدة غير مألوفة في الكتابات الراهنة.

تضعنا ميشلين في مواجهة الموت غير مرّة ففي قصة "غرام" التي تتألف من ستّ جُمل، وتسعة أفعال لا غير تكشف القاصّة عن السياق السردي الذي وجدتْه مناسباً لتجسيد الموت لشخص لا يمكن أن يكون إلاّ حبيبها لأنها قبّلت في نهاية المطاف شفتيه، وتوهّمت بأنه لايزال حياً لأن "شفتيه الرقيقتين كانتا تحاولان الابتسام ولا تفلحان"، لكننا نقتل شكّنا باليقين حينما تغلق الراوية باب المشرحة وراءها.

يزداد هذا اليقين بالموت في أكثر من قصة. ففي قصة "اللقاء السنوي" تترك الراوية هديّتها إلى جانب شاهدة القبر المدوَّن عليها "هنا يرقد بسلام". وفي قصة "الرجل العاري" تكتشف الخادمة أن قفصه الصدري متخشب. وفي "وراء الكواليس" نرى الممثلة ممدّدة على الأرض بلا حراك بعد أن ساعدتها زميلتها في ارتداء القناع.

يأخذ الموت أشكالاً متعددة في قصص ميشلين حبيب، فقد يكون محاولة انتحار كما في قصة "حوار" أو شروعاً بالقتل كما في قصة "أمام المرآة" أو تحذيراً من موت قادم كما في قصة "تحذير"، وقد تأخذ الشخصية الميتة طابعاً سورياليا كما في قصة "شرط" حيث ينتصب الميت في تابوته ولا يجد أحدا من حوله فتصْدق ظنونه ويصل إلى مرحلة اليقين.

لا بد من الإشارة إلى قدرة ميشلين حبيب في صدم المتلقّي وإدهاشه بطريقة فنية في العديد من قصصها، وربما تكون قصة "حوار" هي واحدة من القصص الجميلة في هذا المضمار فحينما يسأل الراوية شخص مسافر معها في الطائرة عن شيء مهم في الصحيفة التي تقرأها فترد عليه: لا شيء سوى محاولة انتحار ابن سياسي معروف بقطع شرايين المعصمين! وحينما تُسقط المضيّفة بطانية كانت قد جلبتها لأحد المسافرين يلتقطها السائل نفسه وحينما يرفع ذراعيه وتنحسر أكمام سترته ترى على معصميه رباطات طبية، الأمر الذي يوحي بأنه ابن السياسي الذي أقدم على الانتحار، أو شخص آخر حاول الانتحار بالطريقة المفجعة ذاتها التي تضعنا أمام مفاجأة لا تخلو من الغرابة والإدهاش.

لا تكتفي ميشلين حبيب بصدم القارئ أو إدهاشه عبر هذه القصص التنويرية الوامضة، وإنما تضعه في جوٍ مشحون بالحيرة والغموض. ففي قصة "الحُب" التي تسرد فيها حادثة نيزك الحُب الذي سقط على الأرض منذ آلاف السنين وتناثر إلى أشلاء عديدة ضعيفة ومفتتة، محروقة وبرّاقة وما إلى ذلك من ثنائيات منوّعة كان الناس يجدونها ويتوارثونها وهي لا تسترعي الانتباه كثيراً، لكن نواة نيزك الحُب التي تمتلك قوة خارقة لم يَعثر عليها أحد بعد! هنا تلوي ميشلين عُنُق الدلالة القصصية لتحاصرنا بسؤال واحد لا غير مفاده: ما كُنْه نواة الحُبّ؟ وما هي دوافعه؟ وكيف استطاع أن يضمن بقاءه منذ الأزل؟ وهل سيستمر إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا؟

تستدعي ميشلين قدرتها السينمائية في تصوير حادثة قصتها المعنونة "في الطبيعة" حيث يخرج شخص مع كلبه كي يستمتع بهواء الريف، لكن هذا الإغراء الكامن في حقل الأقحوان الأبيض لم يقتصر على الكائن البشري، وإنما تعدّاه إلى الكلب الذي ولجه مُطارِداً بعض العصافير والفراشات. لم يتوقع القارئ حدوث أي شيء حتى هذه اللحظة فثمّة نشوة بعناصر الطبيعة المتمثلة بالهواء العليل، وحقل الأقحوان الأبيض، ولأن ميشلين هي قاصّة موهوبة حقاً وتعرف جيداً كيف تستثمر جُمَلها الاستهلالية والختامية، لهذا صورت المشهد الأخير باقتضاب قد لا تنجح فيه سوى عدسة الكاميرا السينمائية فقالت: "لَحِق به، وقبل أن يُدركه تطاير الكلب أشلاءً في الهواء". لم تُخبرنا القاصة عن مصير صاحب الكلب لانها أرادت أن تحفّز القارئ على المشاركة في صنع الحدث ولو عن طريق التفكير فقط!

تبني ميشلين حبيب قصتها المتفردة "لقاء" على مفارقة جميلة بين رجل معجب بامرأة تأتي كل يوم للبار فيقدِّم لها الساقي طلبها المعتاد، وحينما تتجاوب معه في الحديث يعود إلى كرسيه ويلعن حظّه العاثر لأنه نسي سمّاعة أذنه، أما هي فتلعن حظّها أيضاً لأنها نسيت هي الأخرى أن تضع سمّاعة أذنها قبل أن تغادر البيت. لقد أجلّت القاصة هذه النهاية التنويرية وأتاحت للقارئ أن يتابع سير اللقاء الطبيعي الذي تمّ بين الرجل الذي "قفز قلبه من الفرح"، والمرأة التي ابتسم لها الحظ قليلاً، لكنّ القاصة حجبت النهاية التي تنطوي على لحظة إنسانية عظيمة لتفاجئ القارئ في نهاية المطاف بأنّ الإثنين أصمّان. اللافت للنظر أن هذه القصة تتناصّ تماماً مع قصيدة للشاعر يوسف الصائغ تقول فيها المرأة التي يتابعها رجل: "ما آنَ له أن يعرف أني امرأة خرساء!" فيقول الرجل في نفسه: "ما آنَ لها أن تعرف أني رجل أخرس!" ربما هو نوع من التخاطر الأدبي أو "وقع الحافر على الحافر" كما يُقال.

كثيرة هي القصص القصيرة التي تستحق الدراسة في هذه المجموعة لكنني سأكتفي بالإشارة إلى قصة"رائحة نتنة" وذلك لانطوائها على بُعدين: الأول سوريالي، والثاني رمزي. فبطل هذه القصة كان يشمُّ رائحة نتنة طوال الطريق من بيته إلى مقر عمله. وحينما بلغت الرائحة حدّاً منعه من التنفّس شعر بسائل لزج ينزل من رأسه، ذهب إلى الحمّام وحدّق في المرآة سريعاً فاكتشف أن "رأسه قد بصق جثّة ضميره المقتول منذ زمن والمحفوظ في رأسه إبعادا للشبهات". قد تبدو هذه القصة مقبولة رمزياً لما تنطوي عليه من دلالة الضمير الميت أصلاً، كما يمكن أن تُقبل على الصعيد السوريالي لما تتوفّر عليه من دلالة غرائبية قادرة على إدهاش المتلقّي وتنويره. بقي أن أقول في خاتمة المطاف أن ميشلين حبيب هي قاصّة متمكّنة من أدواتها الفنية، وتستطيع أن تكتب نصّاً قصصياً يتجاور في تكثيفه اللغوي، وتركيزه البلاغي النصّ الشعري المكتوب بموهبة الشاعر الحاذق الذي يتقن أسرار قصيدته ويتلاعب بأدواتها الفنية.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.