3

:: وجوهٌ في حديقةِ المُبْدِعين ::

   
 

التاريخ : 31/10/2013

الكاتب : د. وجيه فانوس   عدد القراءات : 837

 


مداخلة حول كتاب

«وجوه في حديقة المبدعين»

للشاعر جوزف أبي ضاهر

في جامعة AUST

 

الحديقةُ، بمعناها العمليِّ، مطرحٌ للزَّرعِ؛ والزَّرعُ، كذلكَ، ممارسةٌ للإنماءِ الذي يُرجى منه العطاءً وتالياً الاستمرار؛ وهذا ما قد يختصِرُ حكايةَ "وجوهٌ في حديقة المبدعين"! إنَّها حديقةٌ من مساحاتِ المعرفةِ التي تَعِدُ بها الجامعةُ الأميركيَّةُ للعلومِ والتِّكنولوجيا في لبنانَ، وإنَّه زرعٌ يعملُ جوزف أبي ضاهر على غرسِهِ والاعتناءِ بهِ بما أوتيَ من طاقاتِ التَّأليفِ والكتابةِ وحُسْنِ التَّعبيرِ وقدراتِ التَّوصيلِ الأنيقِ إلى المُتَلَقِّي.

في الحديقةِ اليومَ ثماني شجراتٍ باسقاتٍ تَشْهَدُ كلٌّ منها على جزء رائع إبداعيٍّ غنيٍّ وخيِّرٍ من تاريخِ لبنانَ، وتقفُ كلُّ شجرةٍ واعدةً باستمرارِ عطائِها لثِمارِ الإبداعِ والغِنى والخيرِ في حياةِ لبنان.وفي أرجاءِ الحديقةِ يتجوَّل جوزف أبي ضاهر مُعْتَنِياً بهذهِ الأشجارِ مُزيلاً بِقَلَمِهِ ما حولَ بعضِها من أعشابٍ ضارَّةٍ، مُفْسِحاً، بعقلِهِ المُنْفَتِحِ، لنورِ الحقيقةِ الموضوعيَّةِ في الوصولِ إلى أغصانِها؛ مُتِيحاً لأزهارِها أقصى مجالاتِ العطاءِ والإثمارِ، عَبْرَ تفاعُلِ مَنْ يَقْصُدِ الحديقةَ للاغتناءِ بالإبداعِ والجمالِ وخيرِ العطاء.

رَكبَ جوزف أبي ضاهر، في عملهِ هذا، مركباً لا يستطيعُهُ سوى ربابنةٌ خَبِروا بِحارَ التَّأليفِ والكتابةِ، وتمكَّنوا من حُسْنِ الغَوْصِ في لُجَجِهِما وعرفوا كيف يجتازونَ عبابَهُما، مُحَمَّلينَ بالنَّفيسِ مِنْ دُرَرِهِما زاداً يزيدُ من غِنى ما كانَ منْ وجودٍ للزَّمنِ ويُغني الوجودَ الذي سيكونُ في مُقْبِلِ الأيَّام. فجوزف أبي ضاهر، ههنا، لا يكتبُ الوجوهَ ليكونَ مُجَرَّدَ دليلٍ يُرْشِدُ زائرَ الحديقةِ إِلى مواقِعِها الزَّمانِيَّةِ والمكانيَّةِ؛ بل لا يُمْكِنُ لي أنْ أراهُ إلاَّ كاتِباً يُفْسِحُ لدروبِ المعرفَةِ في أنْ تمتدَّ، مِنَ الماضي والحاضرِ إلى الزَّمنِ الآتي، فِعْلَ بشارةِ خَيْرٍ ودَفْقَ أَمَلٍ بِحياةٍ أَزْهَى عَطَاءً وأَكثرَ غِنىً من تلكَ التي سبَقَت.

من المُتَّفَقِ عليه، بينَ أهلِ البحثِ والدِّراسةِ، الإقرارُ بأنَّ تحديَّاتٍ كبيرةٍ بلْ شديدةِ التَّعقيدِ تُواجهُ كلَّ من يسعى إلى الغَوْصِ في موضوعٍ جديدٍ لم يُسْبَق إليه. إنَّها تحديَّات اكتشافِ الموضوعِ وتوثيقه، مِنْ جهةٍ، وتحديَّاتِ دراستِهِ وتحليلِهِ والوصولِ، مِنْ ثَمَّ، إلى خُلاصاتٍ واضحةٍ بشأنِهِ، من جهة أُخرى. ولكنَّ كلَّ هذهِ الصُّعوباتِ المُتَحَدِيَةِ، على أهميَّتِها وخطورتِها، تظلُّ صغيرةً وعاديَّةً إذا ما قُورِنَتْ بصعوباتِ التَّحدي التي تُواجِهُ مَنْ يَسْعى إلى اقتحامِ فضاءاتِ موضوعٍ معروفٍ والعملِ على إعادةِ تقديمِه؛ إذ أيُّ جديدٍ سيصلُ إليهِ هذا الباحثُ/الكاتبُ، وأيًّ عطاءٍ سيتمكَّنَ من تقديمِهِ في هذا المجال؟

هنا "مَرْبَطُ الفَرَسِ"، كما يقولُ ناسُ بلادِنا في أَمثالِهم المحكيَّةِ وأقوالِهم المُتوراثَة. ويُصبحُ الأمرُ، تالياً، أعظمَ وعورةً وأشدَّ تعقيداً وصعوبةً حينَ يتمثَّلُ الموضوعُ في مجالاتِ سِيَرِ أعلامٍ هُم رموزُ الوطنِ والنُّجومُ المُشيرةُ إلى مَواقِعِهِ عَبْرَ أحداثِ التَّاريخِ الوطنيِّ ومسيراتِ الحضارةِ الإنْسانِيَّةِ.

أيُّ أمرٍ، على سبيلِ المِثالِ، وليس الحَصْرِ، قد يُمْكِنُ الإتيانُ بهِ عندَ إعادةِ روايةِ سيرةِ جُبران خليل جبران أو حَسَن كامِل الصبَّاح أو الأخوين رحباني، وقد أفنى كثيرونَ ضوءَ عيونِهِم ليكتبوا هذه السِّيرَ ويناقشوها ويقابلوا بعضَ أحداثِها بِبَعضِها الآخر؛ وأيُّ جَديدٍ قد يقدِّمُهُ امرؤٌ في عَرْضِ سيرةِ شارل مالك أو مايكل دبغي أو وليد غلميَّة أو غسَّان تويني لأجيالٍ عايشَهُم بعضُهُم بأشْخَاصِهِم؛ كما تَمَكَّنَ، بعضُهُمُ الآخَرَ، من التَّعرُّفِ، عَبْرَ الصًّحفِ والمجلاَّتِ وشاشاتِ التَّلفزةِ على أحوالِهِم ومساراتِ حياةِ كلٍّ منهم في تنوُّعِ هذهِ المساراتِ ومحطَّاتِ تَطَوُّرِها؟ إنَّهُ لَتَحَدٍّ كبيرٍ، بَلْ هوَ ممارسةٌ خطيرةُ بالنِّسْبَةِ لأيِّ باحثٍ/كاتبٍ؛ وكأنَّهُ يُقامِرُ، ههنا، بِجُزْءٍ أساسٍ مِنْ رصيدِهِ البحثيِّ والكِتابِيِّ!

هوذا التَّحدي الذي يدخلُ جوزف أبي ضاهر ساحتَهُ؛ وهو تَحَدٍّ كبيرٍ من النَّاحيةِ العملِيَّةِ، كما أَنَّهُ تَحَدٍّ خطيرٍ من النَّاحِيَةِ المعنويَّةِ؛ بَيْدَ أنَّ مَنْ كانَ من قماشةِ جوزف أبي ضاهر، في البحثِ والكتابةِ، ومَنْ كانَ في الموقعِ الفكريِّ المُتَمَيِّزِ الذي حصَّلَهُ أبي ضاهر طيلَةَ سنواتِ تَنَسُّكِهِ في مِحرابَيْ الأدبِ والثَّقافَةِ، فلا بدَّ وأنْ يكونَ واعِيّاً لُكِلِّ هذا، ولا بدَّ مِنْ أنْ تكونَ لهُ خطَّةُ عمَلٍ بتَّبِعُها في ممارسةِ هذا التَّحدي. فما الذي قامَ بهِ جوزف أبي ضاهر في هذا المجالِ؟

 لقد عَمَدَ جوزف أبي ضاهر إلى ما يُشبِهُ ما يعتمده الرَّسَّامُ التَّشكيليُّ الحَذِقُ في وضْعِهِ لِلَوْحَاِت رسم الشَّخصيَّاتِ. فالشَّخصيَّةُ التي يعملُ هذا الرَّسامُ على تشكِيلِها معروفةٌ من النَّاسِ بتشكُّلاتِها؛ وهوَ لا يَسْتطيعُ، تالياً، إلاَّ المحافظةَ على هذهِ المعرفةِ، لكن لا بُدَّ لهُ مِنْ أنْ يَرْسُمُها في لوحتِهِ كما يتفاعلَ هو معها؛ ويكونُ هذا التَّفاعلُ لُبَّ الجديدِ الذي يُقَدِّمهُ في عملِهِ؛ فإذا ما غابَ هذا التَّفاعُلُ عن تشكُّلِ اللَّوحةِ غابَ جديدُ الرَّسَّامِ وانتفتِ الإضافةُ.

وجوزف أبي ضاهر، ههنا، وإنْ كانَ يُقَدِّمُ سِيَراً معروفَةً لعُظماءَ من لبنانَ، تماثيلُهُمُ منزرعةٌ في أرضِ "حديقةِ المُبْدِعينَ" في الجامعةِ الأميركيَّةِ لِلْعُلومِ والتِّكنولوجيا، فإنَّهُ يُقَدِّمُ سيرةَ كلِّ واحدٍ من هؤلاءِ كما يُحِسُّها هوَ وكما يتفاعلُ معَها هُوَ؛ عَبْرَ الموضوعِيَّةِ المعرِفِيَّةِ، ومِنْ خِلالِ فَنِيَّةِ جوزف في استشرافِ هذهِ الموضوعيَّةِ والتَّعبيرِ عنها.  هكذا، أَتَتِ الوجوهُ، في "حديقةِ المُبْدِعينَ"، مكتوبةً برؤيةِ أبي ضاهرٍ التَّاريخيَّةِ لِهَذهِ الوجوهِ؛ في وجودها اللبنانيِّ والإنسانيِّ وفي الأبعادِ المتعدِّدةِ لكلِّ منها كما يعيشُ جوزف أبي ضاهر هذهِ الأبعادَ ويَسعى إلى استمرارٍ معطاءٍ لها.

إنَّها تجربةٌ مُتَحَدِيَةٌ فَذَّةٌ في مجالِ أدبِ السِّيرةِ، يُقَدِّمُها أبي ضاهر لحديقةِ المبدعينَ ولمتلقي كتاب "وجوهٌ في حديقةِ المبدعين".

يَكْمُنُ تَحَدِّي التُّجربةَ في عِدَّةِ أُمورٍ ومناحٍ، لعلَّ من أبرزِها التَّجديدُ في تقديمِ المعروفِ والمشهورِ،  والرُّؤيةُ الإبداعِيَّةُ لِوجودِ هذا المعروفِ المشهورِ؛ فضلاً عن إثباتِ رأيٍ مؤمنٍ بأنَّ لبنانَ الإبداعَ والجمالَ والعطاءَ الخيِّرِ، الذي يشملُ الإنسانيَّةَ بِرُمَّتِها، لا بدَّ وأنْ يَغْلِبَ لبنانَ التَّدهُّورَ في الإبداعِ ومفاهيمِ الجمالِ والأخلاقِ والوطنيَّةِ وقِيَمِ كلٍّ منها.

في زمنِ الانحلالِ، ولا أقولُ الانحطاطَ، يأتي جوزف أبي ضاهر في "وجوه في حديقةِ المبدعين" مع "حديقة المبدعين" في رحاب الجامعةِ الأميركيَّة للعلوم والتكنولوجيا مؤكِّدَينِ لوجودِ الإبداعِ والجمالِ والخيرِ والعطاءِ واستمرارهم في لبنانَ؛ إذ لا حياةَ للبنان خارجَ هذه الأمور على الإطلاق!

بٌورِكَتْ للجامعةِ الأميركيَّةِ للعلومِ والتِّكنولوجيا هذه الحديقة، وبوركَ لجوزف أبي ضاهر كتابُهُ "وجوه في حديقةِ المبدعين"، وبورِكَ للبنانَ الإبداعَ والخيرَ والجمالَ والعمقَ الإنسانيَّ في وجودهِ.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.