3

:: أنا وأنتِ - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 08/10/2013

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1182

 


 

 

نجلس أنا وأنتِ إلى المنضدة التي تجمعنا كل يوم، صامتين، كعادتنا منذ سنوات. نستعد للإفطار. أنا وأنتِ. تمدّين بصرك إلى الجدار الأزرق الفاتح خلف ظهري. أتملّى وجهك بعمق وحب ويأس. أروح وأجيء أجلب أطباق الطعام من المطبخ. يجلد قلبي أمل لا يموت. أجلس أمامك. أنا وأنتِ. عيناك تنظران بشرود خلف ظهري. لا ترينني. أرفع لقمة إلى فمي ولا أحنى رأسي، ليظل وجهك أمامي، فلا يغيب عني حزنك الذي يشبه شعاعاً ينكسر. أنا وأنتِ.

تفلت من الشرفة هبّة هواء تلامس وجهينا بقبلة ثم تنزلق إلى بياض خزف الفنجانين. ثمّة ذكريات تتقلب. تطرف بعينيها. تتمطّى بكسل على سرير الزمن. ثمّة قلق ومحبة وعزلة مؤلمة. ينتفض النبض في شريان رقبتك التي كانت تغمر وجهي بالعرق من انفعالك وهي تتلوّى مثل طائر يحترق. تجري إلينا من فروع الشجر الممتدة إلى الشرفة سعادة، فنشعر أنا وأنتِ أننا كتلة واحدة اقتطعها القدر من صخرة قديمة، من برق قديم. نشعر رغم أنك منذ سنوات تمدين بصرك إلى الجدار خلفي أنه ليس لنا سوانا. أنا وأنتِ. وأن موتنا سيكون كانغلاق عينين في اللحظة ذاتها. لا أحد منا يسبق الآخر. أنا وأنت.

تناولتُ قطعة من الجبن. أنتِ لم تمدّي يدك إلى سلة الفاكهة. لم تتناولي تفاحة خضراء. لم تمسكي السكين. لم تبدئي في تقشير التفاحة. أخيرا أنتِ بدأتِ لا تقضمين منها بأسنانك. أصبُّ الشاي وأنا أسمع صوت أنفاسي. أقلب السكر في فنجانك بالملعقة التي اشتريناها أنا وأنت منذ سنوات وكانت مذهّبة وانطفأ وهجها. أنظرُ إليك. تواصلين التطلّع وراء كتفي بحزن. كأننا لسنا سعداء. كأننا لسنا عاشقين. أرتشف رشفة من فنجاني. أنتِ لن تقبضي على يد فنجانك. ثم لن ترفعي الفنجان إلى شفتيك. وأخيرا لن ترتشفي شيئا بهدوء. لو انني أعلم فقط السر الذي يجعلك بعيدة هكذا؟ لو أعلم إلى أين تتطلعين طوال الوقت وراء كتفي؟

أنهينا إفطارنا. حان الوقت لكي لا تنهضي. لا تتجهي إلى المطبخ. لا تقفين هناك تغسلين الأطباق. ألحق بك. أناولك الأكواب. لا تأخذينها من يدي. لا تضعينها قرب الحوض. أظل واقفا خلفك أخفق من الشريان الذي في رقبتك. أطبع قبلاتي وراء أذنك الصغيرة الدقيقة. أرتدي ملابسي لأتجه إلى عملي. أنتِ لن ترافقيني حتى باب الشقة. ستظلين جالسة على المقعد تنظرين بشرود. أرجع متأخرا في المساء ممتلئا بغرامي بك. نتناول العشاء، أنا وأنتِ، بقلق ومحبة وعزلة مؤلمة. نتنشّق رائحة الخبز الساخن فوق المنضدة. ذكريات في طريقها إلى النوم تتقلب على السرير. نهاية يوم طويل جعلنا جزءاً من ذكرياته. يخطر لي أن المخيف في الموت هو الوحدة. مسيرة المرء وحده في ذلك الوادي. لكن ذلك لن يخيفنا لأننا معا أنا وأنتِ. لأنه كانت لنا لحظات مشبعة بالغرام والعذوبة، بالهوء الذي يتدفق من الشرفة بلون المساء، مؤرجحاً أطراف الستارة البيضاء.

أتملّى وجهك بحب وعمق ويأس في حجرة النوم. تمدّين بصرك من فوق كتفي إلى صوان الملابس. تضعين رأسك على الوسادة. تطفئين المصباح الصغير. يظل قلبي متيّما بك لا يموت فيه أمل. فقط لو تقولين لي مّن منا الذي مات ولم يعد يرى الآخر؟

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.