3

:: اَلتّربية الرّياضيّة، هي الأخرى، تبني الوطن! ::

   
 

التاريخ : 15/05/2013

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1062

 


 

 

       لا شكّ في أنّ التّربية عمليّة متكاملة، متجانسة، تصقل الطّفلَ: كلاًّ متكاملاً، روحًا وجسدًا، عقلا وعاطفةً، فينشأ وينمو بـ"النّعمة والقامة"، على ما يشاء مَن خَلَقَنا "على صورته كمِثاله"... وهي تتمّ بين بيتٍ ومدرسة ونادٍ.

       في البيت، يتلقّى الطّفلُ مبادىءَ التّربيةِ الخُلقيّةِ الأولى. يعوّدُه الأهلُ صراحةَ القولِ، فينمو جريئًا لا وقِحًا، واثقًا لا متعاليًا، قويّ الشّخصيّة، ولا ارتباك، قويًّ الإرادةِ، ولا تَلَكّؤ!

       وفي البيت، يعلّمُه أهلُه القِيَمَ. يُفهِمونَه أنّها فِعْلُ، حياة، لا مجرَّد معرفةٍ. ويجعلونه يميِّز بين المعرفة والحياة. اَلمعرفة والثّقافة. ما قيمةُ المعرفةِ إذا جُرِّدت من الفعل، من الحياة، ولم تتحوّل إلى ثقافة حياتيّة يحياها المرءُ، يوميًّا، لحظة بلحظة.

       ثمّ إنّ هاتين المزيّتَين: "النّعمة" و"القامة"، هما ابنتا الله. ألا يقول "العهد القديم": إنّ الله أخذ ترابًا بيدَيه، ثُمّ جبله، ونفخ فيه روحًا من روحه، فكان الإنسان"؟ فهل من المعقوليّة ألاّ يهتمّ الله بـ"جبلته" و"روحه"؟ وتاليًا، أليس من المنطقيّ، والطّبيعيّ، أن يرافق الله خليقتَه، كاملةً، "نعمةّ" و"قامة"، جسدًا ونفْسًا وروحًا!؟

       وتروح المدرسة، بما هي بيئةٌ حاضنة، "أمٌّ ومربّية"، مرشِدة وموجِّهة، تستكمل مَهمّة البيت ودورَه ومسؤليّتَه. تُلَقِّن الطّفلَ القادم إليها، والولد والشّابّ المراهقَ، ما يُكمل القيم الّتي حفظها وعرفها وخبرها: واقعًا وحياة. مع الصّراحة ثقة، مع الثّقة تواضُع، مع التّواضع كرامة، مع الكرامة عنفوان، مع العنفوان جرأة، مع الجرأة تهذيب، مع التّهذيب نوع من الحياة الأرقى. اَلحياةُ الأرقى، تفَتُّح القِيَم، ازدهارُها، تَحَوُّلُها ثقافة مجتمعٍ وشعبٍ وأُمّة.

       أين الجسدُ، من هذا كلِّه؟

       إنّه المُرافقُ، الحامي، الحيّ. فالمدرسةُ تجعل الجسدَ ينمو، يتطوّر، يُرافِقُ نُمُوَّ القِيَمِ، يحميها، يحياها. اَلإدارة والأساتذة والنّظّارُ مِثال. هذا خطِر، صحيح. على الإدارة أن تُـجيدَ الاختيار. اِختيارُ الأساتذةِ المُرَبّين مسؤوليّةٌ عظيمة، مهمّة، لا تنتهي. والمُراقَبة الدّائمة، هي أيضًا، من المسؤوليّات الأساسيّة، والّتي تفترضُ إدراكًا ومعرفة وثقافة؛ كما تفترضُ وعيًا كاملاً للدّور المَنوط بالإدارة: تصميمًا واضحًا في المراحل كلِّها، وصولا إلى الغاية المحدَّدة.

       لكلّ غاية تصميم. والمسؤول الحقيقيُّ، هو مَن يلتزم التّصميمَ حتّى غاياته الأخيرة. يعمل، يوميًّا، بوعي وجِدّيّة، يُرشِدُ ويرافق، يأخذ باليد ويشجّع، يقيّم ويقوّم... فلا بدّ من تحقيق الأهداف! وإلاّ... فـ"على الدّنيا السّلام"! اِمّحاء! كلُّ شيءٍ امّحاء!   

       وبما أن الجسدَ "نعمةُ" من الله، تعمل المدرسةُ، على العناية به. فتختار (هل حقًّا) أفضل أساتذة "التّربية" البدنيّة، والمدرّبين. تحضّر منتخباتِها المدرسيّة بما يناسب، تدرّبها خارج أوقات الدّوام المدرسيّ، أملا في تحقيق انتصاراتٍ وبطولات. فالبطولات، هي الأخرى، دعايةٌ حسَنةٌ للمدرسة. خصوصًا إذا كان رياضيّو المدرسةِ، رابحين أو خاسِرين، يتميّزون بفضائل الرّياضة، والّتي منها ما يُسَمّى بـ"الرّوح الرّياضيّة"!

       وما "الرّوحُ الرّياضيّة"؟ إنّها الرّوح المتعاليةُ على الإساءات، وإن آلمت، فهي لن تكون متعمَّدة. يستطيع الرّياضيّ الخَلوقُ، أن يغفر ويسامح، بعيدًا من الانتقام. أن لا يبادل الإساءة بمِثلِها. فيسمو فوق الإساءات المادّيّة، يرتقي، بمادّته، إلى أبعد ممّا يقدر. أوَلم ينفخ اللهُ، في "الجسد" نفَسًا من روحه؟ إذًا، فالجسد قادرٌ على بالارتقاءِ، تسكنه "روح الله"، تُحييه، ترقى به، ولا شكّ، إلى أقرب ما يمكن من المِثال!

       اَلسّؤال، الآن: ولمَ يحصُل ما يحصُل، في مجتمعاتنا، من فساد، وإهدار، وجرائم (على أنواعها)؟ ولمَ يحصُل ما يحصُل في ملاعبنا الرّياضيّة، وآخرها بين جمهوري ناديي الحكمة والشّانفيل، وهما مؤسّستان تربويّتان رائدتان، ويُفترَض أن تكونا رائدتين في التّربية، كذلك! أو: لمَ يحصُل ما يحصُل، في مباريات ناديي الحكمة والرّياضيّ؟ أليست الجماهير "أبناء بيوت" و"أبناء مدارس"؟ فأين أثر التّربية، إذًا!؟ أم أنّ "التّربيةَ" لا "تخدم"، لا "تصلح"، خارج البيت والمدرسة؟ أم هي تُصبح من دون صلاحيّة؟ أم أنّ "الغريزتين" اللّتين فينا، غريزة الانقياد الأعمى وراء "زعيم"، لا لما يمثّل من قيَم، وغريزة التَّعَصُّب "الدّيني" الأعمى، والدّين بعيد، جدًّا، منها، أقوى من كلّ ما "نتعلّم"؟

        يا "شعوبَ" بلادي، بل يا "قبائلَ"، بلادي! تهتمّين، تنشغلين "بأمور كثيرة، أمّا المطلوبُ فواحد"!

اَلأحد 24/2/2013

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.