3

:: اَلخوري مارون ومفهوم الوطن ::

   
 

التاريخ : 31/03/2013

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1280

 


 

 

في السسّادسة والعشرينك، يا أبي!

 

       ... فَيا أبي! لا! لم أنسَك! فما كتبتُ إليك، أمسِ، في الثّامنَ عشرَ من آذار، يوم "عودتِك" الأبديّة، مستحيلٌ أن أنساك!

       تسألُني: فلِمَ لَم!؟

       أصارحُك. فأنت صريحٌ، تُحبُّ المُصارحةَ، كَشْفَ الذّات بما هي فيه وعليه، وقد علّمتَناها من دون "وَعْظٍ" ولا "إرْشاد." أقول: كنتُ منشَغِلاً بالوطن الصّغير كالقلب.

       وطنُنا الصّغيرُ، هذا، إرْثُ الآباءِ والأجداد، "معلِّمُ معلِّمي العالَم"، حادَ عن مَسارِه والمَسير. لم يعد وطنًا مِثالاً. فقد احتلّه شَياطينُ، بل آلهةُ السّوء والسَّيِّئين، والفَسادِ والمُفسِدين، والشّرِّ والأشرار، والسَّفاهةِ والسُّفَهاءِ، والكُفْرِ والكافِرين... فما عدتُ قدِرْتُ على الكتابة، وأنتَ، ولا شَكّ، سيِّدُ مَن عَذَر!  

       كنتُ، يومَذاك، نهارًا وليلا، منشغِلا بتتبُّع الأخبار، أخبارِ الطّرقاتِ وقاطِعيها، والدّواليب ومُشعِليها، والخَطْفِ والخاطِفين، والفِدْيةِ والقابِضين، (حتّى على أعناقِنا والأرواح)، والسّلاحِ والمُسَلِّحين المُسَلَّحين... ومَن مثلُهم من "أشِقّاءَ"، و"أبناءَ"، وأبناءِ خؤولةٍ، و"وُلْدِ" عَمٍّ، وأحفاد. في اللّحظة الواحدةِ، كان ينقُرُ أذنَيك، ويحفر رأسَك، جمْعٌ من أخبار: قَطْعُ طريقٍ، هنا، احتجاجًا على اعتِداء، هناك طلبًا لكهرباء، هنالك اختبارًا لقوّة. إحراقُ دواليب، هنا، احتجاجًا على خَطْفِ قريبٍ، هناك طلبًا لحقوق، هنالك اختبارًا لـ"دولة". فلا الاعتداءُ يتوقّف، ولا الكهرباء تتأمّن، ولا القُوّةُ تظهر. وكذلك لا المخطوف يعاد، ولا الحقوقُ تُقَرُّ، ولا "الدّولةُ" تحلّ. أتفكّرُ في هذا، كلِّه، وأتساءل، غبيًّا بين أغبياء: كيف أتدبّرُ أموري وأمور عائلتي في الـ"وطن"، اقصدُ الغابِ السّعيد!؟ كيف أستطيع أن أنجو بهم؟ أن أعمل لأجلهم؟ أن أُسعِدَهم؟ أن "أُبَشِّرَهم" بولادة وطن حقيقيّ، فلا يهاجرون غيرَ آسِفين؟

       أيا أبي! أيا صديقي! أيا مُرشِدي! أيا مِثالي!

       ماذا ترى أن أفعلَ لأُقنِعَ أولادي بالبقاء، لأنّ "تراب الأرز أغلى من الدّهب"؟ كيف أستطيعُ، وسط هذا الجشع الطّمع السُّخْفِ، هذه اللاّمبالاة الغباوة التَّفاهة، أن أعمل بوصيّة أسعد سابا، على لسان وديع الصّافي، حين يواجهُني بالقول الآمر: "أرضك لإبنك بسّ خلّيها"!؟

       كيف أجرؤ، يا أبي، على مواجهة مروان بقصيدة إيليّا أبي ماضي: "وطن النّجوم"، ومطلعها: "وطنَ النّجوم، أنا هنا!/حدِّق! أتذكرُ مَن أنا!؟" إلى البيت الأخيرِ فيها، وهي تُظهِرُ شوقًا ووطنيّةً، وهو يعرفُ جوابَ الشّاعر نفسِه، صاحبِ القصيدة، لأحد الصّحافييّن، عن سؤال حول هذه القصيدةِ تحديدًا: "هذا شِعر، يا بني! هذا شِعر!" قاصِدًا: "هذا كذب، يا بني، هذا كذب!" وكيف أُقنِعُ رنا بأنّ "الوطنَ" يحضنُنا ويوفِّرُ لنا الأمن والعمل والسّعادة والمستقبل البَهيَّ، والحقوقَ كلَّها، والخيرَ كلَّه، لأنّنا مواطِنون صالحون، ندفع ما علينا من رسوم وضرائب، ونطبِّقُ الأنظمة، ونرعى العهود، ونُحِبّ الجميع... وهي تُشاهِد ما تُشاهِدُ، يوميًّا، من مشاهد "الأمن"، وأخبار "الخَطْفِ"، وعجائب "الهَدْرِ"!؟ وكيف، يا أبي، أواجِهُ جاد، في "أميركاه"، بأنّي لن أُهاجر، فـ"وطى الجوز" أهمّ من أيّ بلد، مهما بلغ شأنُه من عظمة وقوّة وبَطْشٍ، وبمَ أُواجِهُه حين يَجْبَهُني بصراحةٍ جريئة: "أيكفيك، من "لبنانك"، يا أبي، "وطى جوزِكَ" و"زوق مكايلِك"، و"كسروانِك" كلِّه، امتدادًا إلى "جبيل" و"المتن"، وبالحظّ "قد" تُغامر وصولاً إلى "البترون" و"الأشرفيّة"...وتُصلّي، بحرارة وخوف، لتعودَ سالِمًا!؟ فإن خُطِفْتَ لا مال لك لدفْعِ فِديةٍ تُعيدُك!

       ساعدْني، أبي! أرشدْني! وأنت الحكمة! أنرْني! وأنت المُنيرُ! بماذا أُجيبُهم، أولادي، وكيفُ أُقنِعُهم!؟ وهم مثلُ أيّ أولاد، في "لبنان"، وأنا مثلُ أيّ والد!

       وآمال، وكنتَ تحبُّها لأخلاقها والقِيَم، من محبّة وتضحية وصدق إلخ... هي الأخرى، اتّحدت معهم! تحاول، وإيّاهم، إقناعي... أنا لا أريد! لكن تنقصُني الحُجَجُ والبَراهين، ينقصُني المنطق... فإنْ أملْتُ وأمّلْتُهم بالأمن، انفجرتْ قنبلةٌ في مكان ما؛ أو طلعت طائرة معاديةٌ فخرقت أجواءنا، آمنةً، وعادتْ سالمة؛ أو خُطِف أحدُهم؛ أو وُجِدتْ جثّةٌ، أو اغتُصِبتْ امرأة؛ أو أهدِرت حقوق؛ أو ما شابه... فما تَرى؟

       إخالُك حزنت! فـ"الوطن"، بالنّسبة إليك، بيتُك، إمارتُك، معبدُك! أعرف. لكن ماذا أستطيع!

       تبدّلت الأيّام، تقول؟ لا، يا أبي، لا! يا خوري مارون! النّاس تبدّلوا لا الأيّام! اَلنّاس بدّلوا الأيّام. غيّروا الطّبائع. أحرقوا العاداتِ والتّقاليدَ والقِيَم! يا ضَيْعَةَ تَفاؤلنا! ظننّا بأنّ الوطن سيولَد جديدًا، كالوطن الرّحبانيّ. كم حلمنا مع الرّحبانيَّين، على صوت فيروز، بوطنٍ مِثال، بمجتمعٍ مِثال، بإنسانٍ مِثال... وكم حلُمنا بحكّام لا كالـ"شّخص"، لا كـ"فاتك المتسلّط"، لا كالـ"ملِك"... أكان يكذب الرّحبانيّان؟ يحلُمان؟ يؤسِّسان؟ وصوت فيروز، أكان ينقل إلينا الكذب، فنفرح فيه، ونأمل؟

       أيا أبي! لا تلُمْني! لا زلتُ "صغيرًا"، أنا، أحِبُّ أن أسألك، أن أستمع إلى آرائك، فأنت مِثالي، وستبقى! وسأبقى أسائلُك، وأنتظرُ صوتَك يحنو، كما دائمًا؛ ويَهدي، كما دائمًا! فأنت لا تزال إلى جانبي، أشعر بيديك تأخذان بيدي، بقلبِك ينبض بي، بعينيك تهديانني، ولا أشبع من النّظر إليك، والاستماع إلى إيقاع صوتِك يرتقي بي إليك، يا أسمى الآباء! وإلى اللّقاء...

 

 
   
 

التعليقات : 2

.

14-04-2013 10:5

إيلي

أختي الفاضلة!

أعترف: لا، ما انتهت المقالة، ولن! أوَيُمكن، لكلام قاع القلب، أن ينتهي!؟

أشكر لك قراءتي، إنّها تُثريني وتُحَرِّضُني على الكتابة، بعد...

بمحبّة


.

01-04-2013 02:4

hindraya@gmail.com

هند

لم ينته مقالك بعد يا أستاذ إيلي. ما جواب أبيك الخوري؟ ألم يقل اين الرجال في لبنان؟ أين النساء الأمهات لما هم ساكتون؟ لما لا يحاسبون من انتخبوهم ليوصلوا صوتهم حيث يجب أن يصل؟ ليخدموهم حيث تجب الخدمة؟ لما أصبح الشعب اللبناني شعب خانع صامت؟ أين الشعب الأبي الذي فتت الصخر؟ أين هو؟


 

   
 

.