3

:: أَحكام أَبي الدرداء لا خلايا أَبي الدردار ::

   
 

التاريخ : 27/02/2013

الكاتب : هـنـري زغـيـب   عدد القراءات : 1102

 


 

 

إلى أَين يسيرُ هذا العصر؟

أَيُّ تغييرٍ سيشهده على الخارطة الديموغرافية أَمام هذا الزحف لإِيقاظ همجية دينوصورية وخلايا نائمة بعين واحدة؟

أَيكون أَن يصحّ ما قاله أَندريه مالرو: "القرن الحادي والعشرون يكون عصراً دينياً أَو لا يكون؟"

أَتصُحّ أيضاً مقولة صموئيل هَنتنغتون "صراع الحضارات" بعدما ناهضتْها مقولات عدة وكتب كثيرة؟

كانت يومها مقالةً نشرها هانتنغتون سنة 1993 في مجلة "العلاقات الخارجية" (نيويورك) أَحدثت ضجّة تردَّدت طويلاً لمناقضتِها نظريةَ فرنسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والإِنسان الأَخير" (1989). لكنّ هانتنغتون عاد فوسّع نظريته المثيرةَ الجدلَ وأَصدرها كتاباً بالعنوان ذاته "صراع الحضارات وإِعادة صياغة النظام العالمي" (1996) مؤكّداً على أَن الصراعات، بعد نهاية الحرب الباردة، ستكون أَعنف، ولن تَحدُث بين العقائد والإيديولوجيات الجيوسياسية (كما كانت في معظم القرن العشرين) بل ستكون بين الثقافات والحضارات، وفي جانب منها بارز: بين العقائد الدينية شرقاً وغرباً.

بذلك يتلاقى هَنتنغتون في نظريته مع مقولة مالرو.

انطلاقاً من هذه المقولة حذّر هنتنغتون مسبّبي النزاعات في الدول الغربية من إثارة الخلافات الثقافية (وضمناً: الدينية والمذهبية) لأَن هذه النزاعات ستؤول إلى فقدان الدول الغربية زعامتَها إِن هي فشلَت في فهم طبيعة الثقافات (أَو الحضارات) المقابِلة التي يهاجمها الغرب، وهو هذا بالضبط ما يحصل اليوم في نزاعات تُثار ويُتَّهم فيها الإِسلام السياسي صاحبَ فعل، فيما معظم الحاصل ردَّةُ فعل.

وعن أَكثر من مقال في الـ"موند ديـﭙـلوماتيك" أَنّ الصراع الحاصل حالياً ناجم عن "محاولة الغرب شرعنةَ عدوانه بقيادة الولايات المتحدة على الصين والعالم العربي والإسلامي"، وهو بالضبط ما كان أَثاره هنتنغتون منذِراً الغرب بأَن "يتخلّى عن عالمية الديمقراطية وعن التدخُّل في الدول الأُخرى كي يُخضعها لهذه العولمة". وهو ما كان نادى بشبيهٍ له أَرنولد توينبي في تركيز نظريته على الدين أَساساً للصراع بين الدول.

هذا التدخل الغربي في الحضارات الأُخرى، تجلّى رمزٌ له أَخيراً مع التدخل الفرنسي في مالي، وما أَثاره من ردود فعل لدى الجهاديين الأُصوليين بزعامة أَبو الدردار الذي أَمر بتهديم المقامات الدينية في تومبوكتو (شمالي غربي مالي، وهي مدينة الـ333 مقاماً). وكان تلك المقامات محيَّدة حتى الفترة الأَخيرة قبل أَن تهجم فرنسا بجيوشها لكي "تُحرِّر" مالي من "فلول القاعدة" كما صرَّحت دولة "الحرية والأُخوّة والمساواة" وقام رئيسُها هولاند بزيارتها، رافقتْه الصحافة الفرنسية ناقلةً عن مسؤولي مالي بأَنها "زيارةُ مُنقِذ البلاد".

صحيح أَن فرنسا قامت بهذا العمل "التحريري" بعد تغطيةٍ من الأُمم المتحدة وقرارها بدخول قوة حفظ السلام الدولية إلى شمالي  مالي، لكن "قوّة حفظ السلام" هذه أَدّت إلى تحطيم معالم هي على "لائحة التراث العالمي"، وهو ما فعله الإِسلاميون باسم الإِسلام معتبرين أَن تلك عبادة الأَوثان التي حرَّمها الرسول العربي قاطعاً بها تقليداً وثنياً جاهلياً.

وما كان لهذا التحطيم أَن يحصل إِلا في كونه ردّة فعل على "الهجمة الاستعمارية الغربية" التي هي نوع من الاحتلال أو الانتداب ولَّد إِيقاظ خلايا الأُصوليين والإِسلاميين والجهاديين وقيامهم بالتخريب والتحطيم والتشويه، قياماً ضدّ التدخل الغربي الذي أَثبت في أَكثرَ من موقعة وواقعة أَنه إِن جاء كي يُغيّر فتغييره اتّجه نحو الأَسوأ. ولنا من التدخل الغربي في العراق وأَفغانستان وبنغلادش والصومال ما يشير إلى أَنّ الوضع بعد التدخل لم يكن أَفضل منه حين كان الوضع على حاله السابق.

وما حصل أَخيراً في الجزائر من ردّة فعل على تهديد الجهاديين، دليلٌ آخر على أَن المعالجة الغربية بالتدخل تؤدّي إلى خراب ودمار وتشويه، ولا توصل في أَية نهاية إلى نهاية أفضل.

هذا "التدخل" يتناقض، في وجه من وجوهه، مع المبادئ التي ينادي بها الغرب حول حقوق الإنسان ومعتقداته.

ولنا من نموذج فرنسا في مالي مثالٌ على هذا التناقض. فكيف نفسّر قيام فرنسوا هولاند، الاشتراكي المؤمن بمبادئ الثورة الفرنسية والعلماني الذي يمنع مظاهر التديُّن العلنية، بالتدخل في مالي ليوقظ خلايا نائمة في الشمال قامت تحت شعار "حرب فرنسا ضد الإرهاب" بما قامت به انتقاماً، حتى صرّح أَبو الدردار بأَن الجهاديين "سوف يضربون فرنسا في الصميم" وأَوضح: "فرنسا هاجمت الإسلام وسنضرب مصالحها في كل مكان، في باماكو، في أَفريقيا، في أُوروﭘـا، في كلّ مكان". وفي هذا السياق صرّح رئيس النيجر محمدو إيسوفو لـ"الفيغارو" مذعوراً أَنّ "مَن يسيطر على أَفريقيا سيطر على أُوروﭘـا. لذلك ندعو فرنسا إلى التدخُّل في مالي لحماية أُوروﭘـا كلّها لأن الجهاديين لن يتوقفوا في أَفريقيا الغربية بل سيكملون إلى كل أوروﭘـا، ولذا يجب التدخل لتجنُّب أَن تمتد إلى كل أَفريقيا اضطرابات تعصف اليوم بالعالم العربي، كما أَدعو الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر إلى المساعدة في الحملة العسكرية الفرنسية لإنقاذ بلدانهم".

وفي تصريح آخر قال أَبو الدردار إن "الانتقام سيتناول ثمانية رهائن فرنسيين محتجزين في منطقة الساحل، في حين يحتجز الجهاديون في المغرب أربعة موظفين فرنسيين من مجموعة نووية فرنسية". وختم تصريحه بأَن "جميع الجهاديين الذين قُتِلوا في القصف الفرنسي إنما أصبحوا في الجنّة".

إذاً ما الذي يكون فعلَه الهولاند؟ ما كانت هواجسه عندما اتخذ هذا القرار؟ ماذا ذهب يفعل في مالي؟ من يريد أَن يحمي ومِـمَّـن؟

زيارته مالي تشبه إِعلان جورج بوش مع نهاية الحرب في العراق بعد ستة أَسابيع من إنزال القوات الأَميركية فيها، فإلى أَين وصلت الخطة الأميركية؟ وأَين السلم الأهلي في العراق اليوم؟

وكذلك نيكولا ساركوزي في زيارته بنغازي بعد سقوط طرابلس الغرب، كانت لإِعلان السلام في ليبيا، فأَين سلامُ ليبيا اليوم؟

مستقبلو فرنسوا هولاند في تومبوكتو بعد "تحريرها" ورفْعهم يافطات "شكراً فرنسا" هل هُم متأَكدون بأَن هدف فرنسا إِعادة السلام إلى المدينة والبلاد والبدء بـ"إعادة الإعمار"؟ وهل بانسحاب القوات الفرنسية من مالي سيتحقق السلام الدائم بعد "القضاء على الجهاديين" كما صاحت أَصوات الاستقبال؟

ماذا أَرادت فرنسا، كـ"دولة عظمى"، أَن تحقِّق من تدخلها في نظام دولة أخرى؟ أَيّ انتداب جديد؟ أَيّ استعمار "عصري"؟ أَلم تكن خسارتُها المذِلَّة وسط "ديان بيان فو" الـﭭـيتنامية في أَيار 1954 أُمثولةً لها في التدخل المهين؟

وما الذي غنمتْه فرنسا لـمالي نفسها من تهديم المقامات الدينية في تومبوكتو، سوى مزيدٍ من التعصُّب والتدليل على عدم فهم الإِسلام والتسبُّب بانتهاك القيّم الإسلامية ولو من الإِسلاميين أَنفسهم باسم الإسلام.

هذه دولة علمانية ديمقراطية تسبَّبَت بما تُسبِّبه أية دولة دينية تيوقراطية متعصبة متزمتة. وتلك الحوادث الارتدادية التي نشبت من خلايا راكدة استيقظت فيها غرائز الهمجية "البلطجية"، أَساءت إِلى الدولة المعنية، كما إِلى الدولة "المنقذة" بتدخُّلها، وإلى الإِسلام نفسه الذي هو في أَساسه دين تسامح وقيم.

ومقابل أَبو الدردار مسبِّب هذه "اليقظة الغرائزية" ضدّ دين التسامح والقيم، يحضر في ذاكرتنا أَبو الدرداء الأَنصاري، الصحابيّ الملقّب بـ"حكيم الأمة"، وهو أَحد جامعي القرآن الكريم على عهد النبي، وآخر من أَسلَم من الأنصار،  وكان من خيرة الصحابة، واشتهر بالعفو والسماحة، ومن مأْثور قوله: "الخيرُ أَن يَعْظُمَ حِلْمُك الغافر ويَكْثُرَ عِلْمُكَ الظافر".

فأين حِلْم أَبي الدرداء من أَفعال أبي الدردار؟

إذا كانت الأُمور سائرة من الفعل الذي يجرُّ ردة الفعل التي بدورها تعود فتجرُّ ردوداً على ردة الفعل، فنحن إذاً أَمام عصر من "الـﭭـانديتا" المتواصلة التي لن تنتهي.

إنّ ردود الفعل التي تنشب من الجهاديين والإسلاميين، وهي تسيءُ إلى جوهر إِسلام التسامح، تعودُ فتُوَلّد في المقابل ردوداً عنيفة أُخرى من الجانب غير المسلم، كما قرأْنا في مقال المدير المعاون لـ"الفيغارو" تييري ديجاردان الذي أَعلن أَننا "عند مشارف حرب دينية شرسة على مستوى الكرة الأَرضية، بدأَت مع تنكيل الإِسلاميين بالمسيحيين في مصر والعراق والفيليـﭙـين وإِندونيسيا وﭘـاكستان ونيجيريا وسواها، ونشهدُ فيها التعدّي على الكنائس والكهنة والراهبات والمؤمنين تحت شعار محاربة الحضارة الغربية والديمقراطية والرأْسمالية. وإذا كان القرن العشرون شهد الصدامات بين الغرب والشرق، بين العالم الشُّيوعي والعالم الحر، فالقرن الحادي والعشرون بدأَ بالصدامات بين الديمقراطية العلمانية والأُصولية الدينية".

ويمضي ديجاردان في بثّه أَفكاراً هجومية سوداء توحي بأَنّ خطر الإسلام الأُصوليّ السياسي سيمتدُّ إلى كل العالم.

هذه ردّة فعل مُروَّسة على ما يجري، وليست تؤدي ولا بحال إلى تهدئة الأُمور ولا إلى معالجة الظواهر الخطرة في المجتمعات، شرقيّها والغربي.

هذه "الهجمة" على الإِسلاميين، خطورتها أَن تتعمَّم على المسلمين فتتأَجّج الحروب ونشهد "فتوحات" العصر ضد "صليبية" جديدة يتدهور العالم معها إلى جحيم لن تنطفئ ناره.

في العدد 306 لنشرة "أُفُق" (الإِلكترونية التي تصدر عن "مؤسسة الفكر العربي") مقال ممتاز بعنوان "العرب في الغرب: إشكالية التحدي الحضاري" كتبه حسين جواد قبيسي، جاء فيه أَنّ "التفكير اليوم يتَّجه نحو التحوُّلات الجارية خصوصاً في السنتين الأخيرتين على مقولة "أَين العرب؟" لا في بلدانهم العربية فحسب بل في العالم وبخاصة في الغرب (أَميركا وأوروﭘـا)، وعلى علاقات تاريخية (أُوروﭘـا بخاصة) صراعية وحضارية في آن تربطهم بالغرب. فالعرب كانوا في أَساس حضارة الغرب الحديثة، منذ الأَندلس، ومنذ كانت الجامعات العربية في إِسـﭙـانيا وإيطاليا تدرِّس العلوم وتعلّم الأُوروﭘـيّين فلسفات الإِغريق القديمة...".

هذه هي الصورة الحقيقية التي يجب أَن تنتشر عن العرب والإسلام في الغرب غير المسْلِم، حتى تكسر الصورة النمطية التي ما زالت سائدة فيه، وتزيدُ الشرخ في التمييز العرقي والمناطقي والديني غرباً ضد الشرق، وديناً ضدّ الدين الآخر، حتى ليصح قول هَنتنغتون إنّ القرن الحادي والعشرين سيكون عصر "صدام الحضارات".

وليس من رؤيةٍ للحّل وشُيوع السلام في العالم، إلاّ بقبول الآخر، والانفتاح على ثقافته ومعتقداته، والعمل على فهمه واستيعاب حضارته، والتفاعل معه ومعها، حتى لا نظلَّ في حالة نارية من صراعاتٍ نشهد فيها نُشُوب خلايا أَبي الدردار على الهدم القاهر، عوض أَن تسودَ أَحكامُ أَبي الدرداء نابعةً من الحِلْم الغافر.

يصدر هذا المقال في "جماليا" بعد صدوره في صحيفة "النهار" اللبنانية نهار الأحد 24 شباط 2013

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.