جماليـــا : ثقافة , آداب , فنون

From site: http://www.jamaliya.com

قناديل 44


جوزف أبي ضاهر
30/12/2011

 

أعدنا صغارًا

قُرعت الأجراس. خارج الزمن قُرعت.

وَحدَهُ سَمِعها. رَكضَ، كاد يسقط من شوقه، ومن خوفِ أن يَصل، قبله، إلى المغارة مَن لا يعرف المولود فيها، فيشتدّ البرد، وتتكدّس الغربَة.

وَصَل، ركع بانحناءة كامل الجسم الصغير قبالة المولود، الآتي على صورتنا إلى العالم، مع فارقٍ أنه لأجلنا أتى، وليس مثلنا لعيشٍ نسعى به إلى حياة قد نضيّعها، أو لا نصلُ إليها، أو نتحد به لرفعةٍ في ذاتٍ على صورة الخالق.

ركع وهو لا يعرف كلَّ هذه الأفكار.

ركع مأخوذًا بـ «خبريّةِ جدّته»... وشاهده.

صغيرًا مثله شاهده... ويبتسم، فابتسم له.

لفته عُريٌ بين تبنٍ وقشٍ. خلع رداءه الجديد، وغطّى المولود جسدًا، وهو الروح النافخة فينا دفئًا.

سَرَت فيه قشعريرة. ما عاد نظره ابتعد عن هالةِ نورٍ، كما أجنحة ملائكة تصفّق فتُحدثُ نغمًا عميقًا في النفس: «مبارك الآتي باسم الرب... هلّلويا».

***

لَمَحَ الصغير في المغارة وَسَاعةً لا حدّ لها، حتّى ولا زيح أفق. كاد يدخل إليها، ويجلس قرب مريم، فتغمره، هي أيضًا أمّه، وإلى الجانب الآخر يوسف البار بنعمة ربّه. وقربه خراف تبعث لهاثًا لدفءٍ في المكان... وما انتبه إلى المجوس وهدايا المرّ واللبان، ولا إلى النجمة.

قال للمولود كلامًا كثيرًا... كثيرًا، ولو صمتًا.

المولود يَعرفُ القلوب ولا حاجة به إلى صوت.

الصوت يجرح اللهفة، يأخذ منها ألقًا لحضوره.

أمام المغارة تحوّل الصغير شاهدًا لحدثٍ، ما حدّثتِ الكتبُ بأعظم منه وأبهى، فالولادة، أية ولادةٍ، هي بدءٌ، والبدءُ خلق، تفتّح حياة، على المطلق، ربما، أو ضمن تكوينٍ كاملٍ للبشريّةِ جمعاء فوق تراب عُلّق على ماءِ، كما وُصِفَ، وتحت سماءٍ، كما يُظن، ودارت الأرض من حياة إلى حياة، ومن تراب إلى تراب. فبدءٌ على بدءٍ كلمة من جسد وروح.

***

وقتٌ مرّ، زمنٌ مرّ، في ألفين من السنين... والراكع أمام المغارةِ يسألُ المولود حبًّا فيدلّه إلى قلبه، ويسأله أملاً ورجاءً فيشير إلى عقله، ويطلب مغفرةً فيمسحه بزيت وميرون، ويترجّى حقًا وعدلاً وإرثًا أبديًّا فيلفته إلى عملٍ وزرعٍ يصيران غلالا على بيدر حساب، يحسب لها الحساب.

***

... وغفا الصغير الراكع أمام المغارة، قبل أن تصل به «خبريّة جدّته» إلى حاضر مغارته: زينتها تلمع، نجمتها برق يلمع، تبنها وقشّها يلمع، شجرتها وارفة أضواء تلمع....

تطلّعت الجدّة إلى حفيدها، حملته بصلاتها إلى الـ «داخل»: «لندع الأطفال يأتون إليه».

... ورجعت إلى زمنها وعلى الأصابع ملحٌ يلمع، وفي العينين دمع يلمع، وعلى الشفتين كلام:

ربّنا أعدنا صغارًا.

 

فوق بيدر

كاهن الشتاء يخبئ قلبه في جبّته.

ليست كلّ الأعمال بالنيّات.

***

تركض الريح وراء أوراق الشجر،

أم تهرب الأوراق من وجه الريح؟

***

تبني العصافير أعشاشها قشّة قشّة. في قبّة جرس تبني، في طاقةِ كنيسة، في قرميد بيت، بين خرائب، أو بين أغصان سنديانة.

لم تنزل إلى تراب مطالبة بامتلاك شبر منه.

***

بنى عصفور عشّه في وجه شمس.

سألته غيمة: ألن تحتاج إليّ؟

ردّ: الشمس بحاجة إليكِ، أكثر منّي. تتشح بك إغراءً، وأكشحك خوفًا عليكِ من مناقيد فراخي.

***

أجالس أحلامي، وأوسّع المدى لها.

تنساني في نافذةٍ لا تشرف على درب.

***

تُصغي إلّيَّ وسادتي. تنحني تحت رأسي ليرتاح. ولتعرف من لهاثي ما أخفيت من رغبات.

***

الليل عاملُ مشحرةٍ. فلش الغراب جناحيه مشلحًا على كتفيه.

***

سَقَيتُ بنفسجةً كأس ماءٍ. نهضت من تعب.

وابتسمت عطرًا.

***

يَنهض الفجر قبل الشمس. يَسبقها ليعدّ مراسم استقبال تليق بها.

***

تتردّدُ أصابعُ الحزنِ قبل أن تلامس كلمة.

لن تصل إلى انتشاء.

*

 




Link: http://www.jamaliya.com/ShowPage.php?id=8921